فوزي آل سيف
41
نساء حول أهل البيت
لبثت آمنة أمه أن تبعت زوجها إلى لقاء الله، وكان يمكن أن يبقى محمد صلى الله عليه وآله ، مهيض الجناح يتيما، ولكن الله شاء له أن يأوي إلى ركن شديد {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى}، فكان في كنف جده عبد المطلب الذي كان يعرف فيه النبوة، ويرى في ما يحيط بحفيده دلائل ذلك. >فكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة وكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالاً له، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله يأتي وهو غلام حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إن له لشأناً، ثم يجلسه معه على فراشه ويمسح ظهره بيده<([51]). وعندما بلغ صلى الله عليه وآله الثامنة من عمره، انتقل جده إلى لقاء ربه، بعد أن اختار له أبا طالب ليكفله مع أن أبا طالب لم يكن الأكبر سناً من ولد عبد المطلب، ولا الأكثر مالا، ولكنه كان الأكثر معرفة بمقام ابن أخيه عند أبيه عبد المطلب، كما كان صاحب المنزلة العليا في نفس أبي طالب. وهكذا كان فقد أصبح النبي صلى الله عليه وآله في بيت عمه أبي طالب، وبيت فاطمة بنت أسد. وجاء أبو طالب يوصي زوجته فاطمة بالاهتمام البالغ بالنبي المرتجى بعثته، ولزوم رعايته، ذلك أن أبا طالب كان >يحبه حبا شديدا لا يحبه ولده، وكان لا ينام إلا إلى جانبه ويخرج فيخرج معه، وصُب به أبو طالب صبابة لم يصب مثلها بشيء قط، وكان يخصه الطعام<([52]) فقال لها أبو طالب: اعلمي أن هذا ابن أخي وهو اعز عندي من نفسي ومالي فتبسمت فاطمة من قوله وكانت تؤثره على سائر أولادها وكان لها عقيل وجعفر فقالت له: توصيني في ولدي محمد وإنه أحب إلي من نفسي وأولادي. ففرح أبو طالب بذلك فجعلت تكرمه على جملة أولادها ولا تدخر وسعا في ذلك. ( ( ( ( تعتبر عاطفة الأمومة والعلاقة بين الأم وولدها من أعظم العلاقات واشدها قوة، فإنك تجد الأم مستعدة للتضحية حتى بنفسها لأجل سلامة ولدها، ولا يمكن أن تقدم عليه أي كائن، ولعل هذه الغريزة الموجودة في داخل كل أم، هي التي تنتهي إلى بقاء النوع فلولاها لكان النسل ينتهي مع تعرضه للأخطار والأعراض. لكن هذه القاعدة الموجودة في عالم الإنسان، تتوقف عند فاطمة بنت أسد، لتحل معها القاعدة الإيمانية التي تقول: >لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أبيه وأمه، وولده< كما قال الرسول صلى الله عليه وآله ، واصفاً الدرجة العليا من الإيمان.
--> 51 ) ابن كثير، البداية والنهاية ج 1عن سيرة ابن إسحاق. 52 )ابن كثير، البداية والنهاية ج 1عن سيرة ابن إسحاق.